مع عودة أراضي المنطقة الشرقية إلى حسابات الإنتاج. يقترب الحصاد السوري من القمح إلى 2.5 مليون طن لعامي 2025-2026. هذا الرقم يمثل ضعفي إنتاج العام الماضي البالغ 900 ألف طن في مؤشر يدل بأن انفراجاً قادماً في ملف الأمن الغذائي منذ سنوات.
تعيد تقديرات الإنتاج التي كشف عنها مدير الشؤون الزراعية في وزارة الزراعة أحمد الأحمد الآمال بتحسن سلة خبز السوريين، مدعومة بوفرة الهطولات المطرية وعودة مساحات من الأراضي في المنطقة الشرقية إلى دائرة الإنتاج. في معرض تفصيل الأرقام توقع الأحمد تسويق 800 ألف طن من الحسكة، و300 ألف من الرقة، و250 ألفاً من دير الزور، لتشكل ما نسبته 70% فيما تتركز النسبة المتبقية في حماة وحلب. ما يعيد رسم الخارطة الزراعية ومنح الشرق السوري ثقله بعد أن كان مقيداً لسنوات.
في قراءة تحليلية لـ “الاقتصادية”، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور علي محمد أن هذه التوقعات لم تعد مجرد أرقام موسمية، بل تقترب بخطى ثابتة من الاكتفاء الذاتي السنوي في وقت يسجل فيه الاستهلاك المحلي بين 1.5 و2 مليون طن، وذلك يحقق أربع مكاسب مباشرة، أولها دعم الاكتفاء الذاتي وخفض فاتورة الاستيراد يرافقه انخفاض الطلب على القطع الأجنبي، وخلق فرص عمل موسمية نتيجة تنشيط أعمال التخزين والطحن والنقل، بما في ذلك دعم الاقتصاد الريفي الذي يسهم بربع الناتج المحلي.
هذه المعادلة تحمل في طياتها مفارقة جوهرية، فوفق بيانات حكومية صادرة عن وزارة الزراعة ستكون فاتورة الإنتاج لهذا العام مرتفعة. فالحكومة حددت سعر شراء الطن بـ 55 ألف ليرة (46 ألفاً أساسياً و9 آلاف مكافأة تشجيعية)، لتصل كلفة تسويق المحصول كاملاً إلى 137.5 مليار ليرة. هنا يكشف الباحث الاقتصادي عن تناقض واضح، فعند إسقاط هذا الرقم على موازنة 2026 البالغة 10.5 مليار دولار (ما يعادل 1.155 تريليون ليرة بسعر صرف 110)، فإن فاتورة القمح تستحوذ وحدها على 12% من إجمالي الموازنة، وهذا يستدعي إعادة هيكلة النفقات الجارية وترتيبها خاصة وأن كتلة الرواتب والأجور تجاوزت 60% من الموازنة بعد رفع رواتب المتقاعدين بنسبة 30%.
رغم أن الأرقام مبشرة بمحصول استثنائي، إلا أن مدير الشؤون الزراعية يعود ليحذر بأن الاحتياج السنوي من القمح قد يصل إلى 4 ملايين طن، وبرأيه فإن الأمن الغذائي لا يتحقق في موسم واحد. فالتحديات كثيرة وأولها تأمين مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومحروقات ومحدودية مصادر المياه. وقال الأحمد أن الحكومة متمثلة بوزارة الزراعة تعمل على إعادة هيكلة زراعة القمح بدءاً من البذور وانتهاءً بصناعة رغيف الخبز عبر تطبيق إجراءات مناخية ذكية.
يمثل الموسم الحالي فرصة استراتيجية نادرة لدعم الأمن الغذائي والنقدي، لكن كلفته المالية التي تستهلك 12% من الموازنة وتزامنها مع ارتفاع الأجور تفرض إعادة هيكلة الإنفاق، بينما يبقى تحويل هذه الوفرة المؤقتة إلى استدامة إنتاجية هو الرهان الأصعب.

