رفع تمثيل لجنة الاستيراد إلى المرتبة الوزارية مع إقصاء قطاع الأعمال يُمثّل مقايضة غير متكافئة للفعل الميداني بالتنظير المكتبي. نجاعة السياسات التجارية لا تُقاس بوزن الحقائب الوزارية أو برفع مستوى التمثيل الإداري، بل بقدرة القرارات على خفض كلف التوريد وتيسير تدفق السلع الأساسية. غياب الخبرة التجارية عن طاولة القرار لا يحمي المصلحة العامة، بل يفتح الباب أمام تشوهات هيكلية تنقل العمليات الاقتصادية إلى الظل.
عدّلت الحكومة السورية هيكلية لجنة الاستيراد لتهيمن عليها العقلية البيروقراطية لوزراء ومديرين عامين، بالتزامن مع إقرارات تشمل حظر استيراد المنتجات الزراعية والدواجن. وتستند المبررات الرسمية في هذا الإجراء إلى ضرورة مكافحة العشوائية في السوق، وضبط معدلات التضخم، وحماية احتياطيات النقد الأجنبي من الاستنزاف، إلى جانب تحييد تضارب المصالح ومنع الاحتكار القطاعي بهدف دعم الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات.
يأتي هذا التشدد التنظيمي في وقت تواجه فيه حركة التجارة الداخلية تقلبات حادة في أسعار الصرف، وتعقيدات لوجستية يومية تفرض على المستوردين تبني آليات ميدانية تعتمد على المرونة والسرعة الفائقة. محاولة إخضاع السوق لمسطرة إدارية جامدة تفترض سكون المؤشرات تتجاهل طبيعة التجارة كعلم إجرائي لا ينفصل عن الممارسة اليومية. غياب التنسيق المؤسساتي مع القطاع الخاص في هذه المرحلة يعكس تغليباً للتفسير البنيوي للأزمة على حساب الحلول الديناميكية، مما يهدد بنمو شبكات التهريب والأسواق الموازية التي تبتلع القطاع الرسمي وتضر بالتجار الممتثلين للأنظمة الجمركية.
تنعكس الآثار المباشرة لهذه المسطرة البيروقراطية على كلفة تمويل السلع، وتراجع وفرتها، وضعف قدرتها التنافسية في الخارج، حيث يترجم أي تأخير إجرائي فوراً إلى خسائر مالية يتحملها القطاع الخاص. معالجة الاختلالات تفرض تحويل اللجنة من “كيان آمر” إلى “ميسّر للعمليات” يعتمد على البيانات الميدانية والدمج الرقابي الشفاف للشركاء بدل عزلهم، وهو ما أكدته تجارب دولية ناجحة في إدارة الأزمات الاقتصادية العميقة. ففي أزمة عام 2008 الاقتصادية العالمية، لم تتجه الحكومة الألمانية إلى طرد المستثمرين أو قطع العلاقات مع الجيران، بل أعادت تنظيم العلاقة بضخ خطة إنقاذ بلغت قيمتها الإجمالية 500 مليار يورو، تضمنت 400 مليار يورو كضمانات للبنوك و100 مليار يورو كصناديق حكومية. هذا الإشراك التنظيمي حمى سوق العمل، حيث بلغ عدد العمال المستفيدين من برنامج “البطالة الجزئية” في ألمانيا 1.4 مليون عامل في ذروته في يونيو 2009، مما أبقى معدل البطالة مستقراً عند 7.4% عام 2008. التحول المطلوب يبدأ من الإيمان بأن من يستبعد الخبرة الميدانية يفقد السيطرة الحقيقية على حركة السوق.

