لم تعد أرقام اتفاقية عام 1976 التاريخية المشتركة، تسعون مليون متر مكعب سنوياً لسوريا ومائتا مليون للأردن، تعكس واقع مجرى نهر اليرموك الذي يواجه تدفقات متناقصة باستمرار.
ينتقل الملف اليوم بين دمشق وعمان من مجرد تسوية تقنية لتوزيع حصص مائية ثابتة إلى مؤشر اقتصادي يعكس تصاعد "قيمة الندرة" في بلدين يواجهان ضغوطاً متسارعة على مخزون الأمن الغذائي وتكلفة مدخلات الإنتاج. تحولت المياه المشتركة من هبة طبيعية مجانية إلى عنصر الإنتاج الأعلى كلفة في معادلة الاستقرار الزراعي والحدودي.
تجسّد هذا التحول الإجرائي خلال العام الجاري بتفعيل اللجنة الفنية المشتركة للمياه بعد سنوات من الجمود، وإطلاق منصة تشغيلية رقمية موحدة لمراقبة التدفقات اللحظية لبيانات الحوض. يهدف هذا الإجراء التقني المشترك إلى سد فجوة الشفافية وغياب أدوات القياس الدقيقة التي طالما غذّت الخلافات التنموية، وتحديداً بعد انخفاض مجرى النهر وتراجع منسوبه الطبيعي، مما فرض إيقاعاً استهلاكياً مغايراً يعتمد على تنظيم الجريان الموسمي المنضبط بدلاً من الاستنزاف الكامل والدائم للتدفقات المائية المتبقية.
لا ينفصل توقيت هذا التحرك عن مناخ الانفتاح الدبلوماسي الإقليمي، بل تمليه تآكل قدرة الإدارة التقليدية على الصمود تحت وطأة التغير المناخي وارتفاع كلفة المواد الأولية اللازمة للاستمرار الاقتصادي. يتراجع الطابع السياسي التفاوضي لملف المياه لصالح منطق حسابي مرن يقوم على رفع إنتاجية وحدة المياه الواحدة بدلاً من الاستسلام لصيغة الحصص الجامدة؛ حيث يتطلب التحدي الراهن توجيه استخدام القطرات نحو الأنشطة الاقتصادية المحققة للعائد الأعلى، وربط المورد بسلاسل القيمة الزراعية الغذائية العابرة للحدود لتوليد عوائد مقيسة للبلدين.
تتوزع مكاسب هذا التنسيق عَبْر قنوات فائدة غير متماثلة بين الجانبين نتيجة لاختلاف الهياكل الإنتاجية؛ تسعى سوريا لتأمين استقرار الدورة الزراعية في المنطقة الجنوبية، وهو ما يفرض داخلياً خسائر هيكلية يتحملها المزارعون والقطاعات كثيفة الاستهلاك للمياه، ويدفع باتجاه إزاحة الموارد نحو صناعات تحويلية أكثر قدرة على التكيف وتحقيق الكفاءة، في حين يجني الأردن مكاسب فورية تتمثل في خفض التكاليف الباهظة لتأمين مياه الشرب.
تكمن الحجة المقابلة والأقوى في تمسك الأوساط القانونية بالحقوق التاريخية المعتمدة التي أقرتها اتفاقية 1976 كضمانة سيادية تمنع المساس بالحصص المقررة تحت ذريعة منطق السوق. غير أن تجارب إدارة الأحواض المائية المشتركة، كمنظومة نهر الدانوب في أوروبا، تثبت أن التحول نحو منظومات الإدارة المبنية على تبادل البيانات الفورية والتخطيط الزراعي المتكامل يمثل الآلية المثلى لحسم منازعات الندرة، ويمهد الطريق لبناء تعاون أشمل يمتد إلى قطاعات البنية التحتية، حوامل الطاقة، وتعزيز تكامل سلاسل التوريد الصناعية والغذائية المشتركة.
نجاح هذه التجربة لن يُقاس بالنوايا السياسية وحدها، بل بالقدرة الإجرائية على رفع كفاءة تخصيص كل قطرة مياه وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية لفائدة البلدين الجارين.
