ثلاثة أرباع أسطول الشحن البري السوري خارج الجاهزية التشغيلية الكاملة، في وقت تتحرك فيه 42 ألف شاحنة متهالكة داخل شبكة نقل تعاني ضغطاً لوجستياً متواصلاً بمعدل 50 ألف طن يومياً. الفجوة الحادة بين القدرة الاسمية والفعلية للأسطول لم تعد تفصيلاً تقنياً، بل تحولت إلى عامل تسعيري مباشر يرفع أجور الشحن بين المحافظات بنحو 40% منذ بداية عام 2026.
وزارة النقل السورية أظهرت بياناتها نقل 4.63 ملايين طن خلال الربع الأول من عام 2026، لتكشف الأرقام الرسمية أن 31.5 ألف شاحنة من إجمالي الأسطول تحتاج إلى استبدال أو تجديد شامل. هذا التراجع الحاد في الجاهزية التقنية يضغط على الطاقة التشغيلية اليومية، ويخفض عدد الرحلات المنفذة فعلياً لكل مركبة، مما يعيد توزيع القدرة نحو كلفة تشغيلية أعلى للرحلة الواحدة.
التوقيت يرتبط مباشرة بقرارات رفع الدعم التدريجي عن المحروقات وتذبذب سعر الصرف، وهي عوامل رفعت الكلفة التشغيلية (المسافة، الوقود، أجور السائقين، قطع الغيار) بشكل متراكم. تراجع القدرة على الاستيراد الفني لقطع الغيار وضعف التمويل المصرفي الموجه للتحديث عقّدا المشهد، مما جعل هيكل أسعار الشحن يرتبط بمتغيرات التشغيل المباشرة لا بحجم الأسطول الدفتري.
الأثر ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والمواد الأولية عبر سلسلة الإمداد، مما يعني أن المواطن يتحمل ضريبة تقادم الشاحنات عبر فاتورة معيشته اليومية. تجارب دول ما بعد النزاع مثل رواندا وأوكرانيا تقدم حلاً إجرائياً: لم تبدأ هذه الدول باستبدال أساطيلها بالكامل، بل ركزت على خفض كلفة التشغيل عبر برامج تمويل ميسرة وإعفاءات مؤقتة لقطع الغيار، مما رفع الجاهزية التشغيلية تدريجياً وبكلفة أقل قبل إضافة مركبات جديدة.
ناقلو القطاع الخاص يبررون استمرار تشغيل هذه المركبات المتهالكة بتداعيات العقوبات الاقتصادية، وصعوبة استيراد القطع الفنية، وغياب التمويل الائتماني طويل الأجل، مما يجعل إبقاء الشاحنات منخفضة الكفاءة في الخدمة خياراً إجبارياً للحفاظ على استمرارية التدفق اللوجستي وتقليل توقفات السوق.
رفع كفاءة 42 ألف شاحنة موجودة عبر تسهيلات قطاع الغيار والتمويل هو الأولوية الاقتصادية، وليس إغراق شبكة النقل بمركبات جديدة تلتهمها هوامش الصيانة المرتفعة ذاتها.
