أربعون بالمئة زيادة في تدفقات الحوالات العائلية قبيل وعيد الأضحى حوّلت السوريين في الاغتراب إلى الممول الفعلي الأول للاستهلاك المعيشي اليومي داخل البلاد. هذا التدفق النقدي، المتراوح قيمته بين مئة وخمسين وأربعمائة دولار شهرياً للأسرة الواحدة، يمثّل طوق نجاة مؤقت يمنع الانهيار الاجتماعي الشامل، لكنّه يرسخ في الوقت ذاته نموذجاً اقتصادياً مشوهاً يعالج العَرَض السطحي ويتجاهل المرض البنيوي التنموي الكامن في مفاصل الدولة.
سجلت شركات ومكاتب الحوالات المالية المرخصة في المحافظات السورية ازدحاماً استثنائياً وغير مسبوق خلال مواسم الأعياد، نتيجة اتساع الهوة السحيقة بين الرواتب الوظيفية الرسمية والحد الأدنى المتزايد باستمرار لتكاليف المعيشة الأساسية. وتوضح التقارير والتقديرات غير الرسمية المتداولة لعام 2026 أن هذه الزيادة، المقدرة بدقة بين 30% و40% مقارنة بالأشهر العادية، تُطابق تماماً المؤشرات الرقمية المسجلة في السنوات السابقة، لتصبح هذه السيولة الحرة المحرك الأساسي والوحيد لحركة الأسواق وضمان استمرار دوران عجلة الاستهلاك، وسط غياب مطبق للبيانات والتحليلات الرسمية الشفافة الصادرة عن المصرف المركزي السوري.
تنامي هذا الشريان المالي الحرج حوّل الحوالات المغتربة إلى “اقتصاد موازٍ” متكامل يتفوق حجمه المالي الفعلي على عوائد الصادرات الوطنية الكلية، وعلى إيرادات القطاعات الخدمية المتعثرة وعلى رأسها السياحة.
يأتي هذا الاعتماد المصيري ليعكس الآلية المباشرة لتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي وانكماش النمو الاقتصادي الداخلي الشامل. وتكشف أحدث الإحصائيات الألمانية الرسمية لعامي 2025–2026 أن الجالية السورية في ألمانيا البالغ عددها 1.25 مليون شخص تضخ القيم المالية الأعلى أوروبياً، بالتوازي مع تقديرات عام 2026 التي تشير إلى وجود بين 1.2 و1.6 مليون سوري في دول مجلس التعاون الخليجي يمثلون الكتلة التمويلية الأضخم التي تغذي السوق بالقطع الأجنبي المباشر.
يتجاوز الأثر الإنساني المباشر تلبية الاحتياجات العاجلة للأسر ليصنع تشوهاً سعرياً عميقاً في هيكلية الأسواق المحلية؛ إذ يؤدي تدفق النقد الأجنبي الموجه بالكامل نحو الإنفاق الاستهلاكي المباشر إلى رفع الأسعار مدفوعاً بتضخم الطلب الحاد دون أن يرافقه أي زيادة فعليّة في حجم الإنتاج المحلي. هذا الارتفاع المستمر يوسّع الفجوة الطبقية الحادة ويحرم الأسر التي لا تتلقى دعماً خارجياً من القدرة الشرائية الأساسية للبقاء، مما يهدد بانهيار الأسواق في حال تعرض هذه التدفقات لصدمة أو تراجع مفاجئ. ولمعالجة هذا الارتهان الخطير.
نجحت تجارب دولية كالتجربة المكسيكية ونماذج دول البلقان في مرحلة ما بعد النزاع عبر تأسيس صناديق التنمية المحلية المشتركة؛ حيث تحفز السياسات المصرفية المغتربين عبر إعفاءات وحوافز استثمارية لتوجيه جزء من هذه الحوالات نحو حسابات ادخارية إنتاجية تُخصص حصرياً لتمويل ورشات التصنيع الصغيرة والمشاريع الزراعية متناهية الصغر، مما يحول الأموال من وقود للتضخم الاستهلاكي اليومي إلى ركيزة إنتاجية صلبة تخلق فرص عمل حقيقية وتدعم استقرار الاقتصاد الوطني بشكل مستدام وثابت ضد الأزمات الطارئة.

