تشهد العلاقات بين سوريا ومملكة البحرين تحركاً دبلوماسياً واقتصادياً لافتاً، يعكس رغبة مشتركة في تنشيط الروابط التجارية والاستثمارية. ففي خطوة توصف بأنها استراتيجية، بحث رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، محمد أيمن المولوي، مع سفير مملكة البحرين لدى سوريا، وحيد مبارك سيار، سبل تطوير الشراكات الصناعية وتحديد الفرص الاستثمارية المتاحة بين البلدين، وتأتي هذه المباحثات في إطار مساعٍ رسمية لتعزيز التعاون في القطاعات الصناعية واللوجستية، بهدف تسهيل حركة الاستثمارات وتبادل الخبرات.
صناعة الكابلات: بوابة لتعزيز البنية التحتية السورية
تركزت المباحثات على قطاع صناعة الكابلات، نظراً لحاجة السوق السورية للاستثمارات في هذا المجال الحيوي، وتعد البحرين واحدة من أبرز الدول في منطقة الخليج في هذا القطاع، حيث تمتلك خبرة تمتد لأكثر من 49 عاماً من خلال شركات رائدة مثل ميدال للكابلات التي تأسست في عام 1977.
التي تتميز بتصنيع قضبان الألمنيوم وكابلات نقل الطاقة الكهربائية وفق أعلى المعايير العالمية، مما يؤهلها لتكون شريكاً مثالياً لرفد السوق السورية بالصناعات المعدنية والكهربائية المتطورة، وتعكس قوة البحرين في هذا المجال، مدعومة بشراكة استراتيجية مع شركة ألمنيوم البحرين ألبا التي توفر لها المواد الخام، وهو ما يضمن تقديم حلول متكاملة قادرة على المنافسة عالمياً.
بالتعاون مع البحرين في هذا القطاع واستيراد كابلات عالية الجودة سيسهم في تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية السورية، ويقلل من الأعطال وفقدان الطاقة، ويدعم بشكل مباشر جهود إعادة الإعمار. كما أن نقل الخبرات البحرينية وتوطين بعض الصناعات في سوريا يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة ويدعم الاقتصاد المحلي.
صناعة الأدوية: جسر للعبور إلى الأسواق الخليجية
استحوذت الصناعات الدوائية على حيز رئيسي من المباحثات الثنائية، حيث تركزت الرؤية على توريد المستحضرات السورية إلى البحرين كمرحلة أولى تمهيداً لتأسيس منشآت إنتاجية مشتركة داخل المملكة، ويعتمد هذا المسار التصديري على قاعدة محلية صناعية تضم 84 معملاً فعالاً تنتج نحو 14 ألف صنف دوائي مرخص، وتغطي ما يزيد على 80% من احتياجات السوق الداخلية، مع تسجيل حضور تصديري حالي في 23 دولة.
تمثل هذه الخطوة مكاسب كبيرة للاقتصاد السوري. فتصدير الدواء إلى سوق خليجية متطلبة كالبحرين يؤكد جودة المنتج الوطني ويحسن سمعته التصديرية في الأسواق الإقليمية، مما يمهد الطريق أمام التعاقد مع شركات عالمية، والأهم من ذلك، أن التدفقات المالية بالعملات الأجنبية الناتجة عن التصدير ستغطي تكاليف استيراد المواد الأولية الدوائية، مما يخفف الضغط التمويلي عن المصرف المركزي السوري ويضمن استقرار الإنتاج. وتجدر الإشارة إلى أن قيمة صادرات الدواء السوري الحالية لا تتجاوز 40 مليون دولار لعام 2025، مما يبرز حجم الإمكانات غير المستغلة في هذا القطاع.
معارض “سيركس” منصة للانطلاق نحو الأسواق الخارجية
يتعدى التنسيق المشترك قطاعي الطاقة والدواء، ليمتد إلى آليات تسويقية مبتكرة. فقد استعرض الجانبان الترتيبات الجارية لإطلاق سلسلة معارض سيركس الخارجية، على أن تنطلق محطتها الأولى من مدينة جدة السعودية. وتعد هذه المعارض أداة فعالة لتحفيز الإنتاج المحلي وقناة مباشرة لربط المصانع السورية بالأسواق الخارجية، وتكمن أهميتها للاقتصاد السوري في جذب النقد الأجنبي عبر عقود تصديرية مباشرة، مما يسهم في تشغيل المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل جديدة.
حوافز استثمارية
من جهتها، استعرضت البحرين حزمة من التسهيلات المقدمة للمستثمرين، والتي تشمل الإعفاءات الضريبية وإمكانية التملك الكامل للمشاريع بنسبة 100% دون اشتراط وجود شريك أو كفيل محلي، مما يشكل بيئة جاذبة لرجال الأعمال السوريين وذلك لتأسيس روابط عمل مباشرة وبناء شراكات تجارية مستدامة بين الجانبين، كما أشار السفير سيار إلى أهمية الخبرات التي يمتلكها الصناعيون السوريون العاملون في البحرين، ودورهم في دعم التنمية الاقتصادية في المملكة.
إلا أن اللقاءات خلت من أي مؤشرات رقمية دقيقة حول حجم التبادل التجاري الحالي أو الكلف التقديرية للاستثمارات المستهدفة. وتغيب البيانات الإحصائية المفصلة عن الجهات الرسمية في البلدين، ويبدو أن هذه التفاصيل ستترك للمباحثات الفنية المقبلة بين اللجان المختصة.
يحقق التنسيق الثنائي تكاملاً يجمع الخبرات الصناعية السورية بالقدرات الاستثمارية واللوجستية لمملكة البحرين. ويؤدي تفعيل هذه التفاهمات إلى زيادة التبادل التجاري وتحفيز التعافي الاقتصادي، عبر التركيز على قطاعي الطاقة والدواء كركيزتين رئيسيتين للإنتاج.
