أكثر من ثلثي العاملين في سوريا خارج الاقتصاد المنظم، ما يعني أن غالبية الوظائف تعمل خارج المظلة الرسمية للاقتصاد، فيما تبقى شبكات الحماية الاجتماعية محدودة التغطية مقارنة بحجم سوق العمل، وفق بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لعام 2024. هذه النسبة لا تعكس أزمة سوق عمل فحسب، بل تكشف فجوة أعمق بين السياسات الاقتصادية وقدرتها على توليد وظائف مستقرة ومنتجة.
أعادت الوزارة طرح ملف التشغيل عبر إعداد استراتيجية وطنية للتشغيل وبرنامج للأشغال العامة بالتعاون مع شركاء من القطاعين العام والخاص وجهات دولية. غير أن التحدي لا يكمن في إطلاق الاستراتيجيات، بل في قدرة السياسات الاقتصادية على تحويل الاستثمار والإنفاق العام إلى فرص عمل فعلية.
خلال السنوات الماضية، تركزت السياسات على إدارة الاستقرار المالي والنقدي في ظل محدودية الموارد والضغوط الاقتصادية. ورغم أهمية هذا الهدف، فإن غياب الربط المباشر بين السياسات الاقتصادية وسوق العمل جعل التشغيل نتيجة غير مضمونة لأي تحسن اقتصادي، إذ يبقى النمو محدود الأثر على الدخل والمعيشة إذا لم يرافقه توفير وظائف.
تكمن المشكلة في ضعف الصلة بين ثلاثة عناصر،الاستثمار والإنتاج والتشغيل. فعندما لا ترتبط الحوافز الاقتصادية والإنفاق العام بأهداف تشغيلية واضحة، تتراجع قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ويتوسع الاعتماد على الأنشطة غير المنظمة منخفضة الإنتاجية.
في المقابل، ترى الجهات الاقتصادية أن أولوية المرحلة تتمثل في الحفاظ على الاستقرار النقدي وكبح التضخم باعتبارهما شرطاً لأي تعاف اقتصادي. غير أن تجربة رواندا أظهرت أن الاستقرار وحده لا يكفي، إذ رُبطت برامج الاستثمار العام ومشروعات البنية التحتية بأهداف تشغيل مباشرة، ما ساعد على تحويل النمو إلى فرص عمل فعلية.
ينعكس هذا الخلل مباشرة على الأسر العاملة. فكلما اتسعت رقعة العمل غير المنظم، ازداد عدد العاملين الذين يعتمدون على دخل يومي غير مستقر و يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية. وبحسب بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لا تغطي الحماية الاجتماعية سوى نحو 30% من العاملين، ما يعني أن سبعة من كل عشرة عمال تقريباً يواجهون مخاطر فقدان الدخل دون مظلة حماية مؤسسية.
يقع الأثر المباشر للفجوة على الشباب وأصحاب الأعمال الصغيرة والعمال ذوي المهارات المحدودة، وهم الأكثر تضرراً من ضعف خلق الوظائف المنتجة. كما يؤدي استمرار هذا الواقع إلى توسيع الاقتصاد غير المنظم وتقليص قاعدة النشاط الاقتصادي الرسمي.
لم يعد التحدي في الاعتراف بأهمية التشغيل، بل في تحويله إلى معيار لقياس نجاح السياسات الاقتصادية. فبدون ذلك، سيبقى التعافي الاقتصادي رقماً على الورق أكثر منه واقعاً في سوق العمل.
